بعد مرور 10 سنواتٍ على استقلالها، تبدَّدت آمال مواطني جنوب السودان في الرفاهية والعيش الكريم والحياة الآمنة، إذ لا يستطيع أغلبهم توفير وجبة ساخنة دون عناء، في ظل تفاقم تداعيات الصراعات الأهلية والكوارث الطبيعية.

الآثار الكارثية للصراع

انهارت مكاسب الاستقلال بعد عامين فقط نتيجة ارتفاع وتيرة العنف، ما أدى إلى نزوح 1.7 مليون مواطن داخليًّا، ولجوء نحو 2.2 مليون آخرين إلى 6 دول مجاورة، وفقًا للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين في أغسطس/آب 2021.

 

وازداد الوضع سوءًا بعد انتشار فيروس كورونا، حيث تعرَّض اقتصاد جنوب السودان إلى صدمة ثلاثية بفعل الآثار المُدمِّرة للفيضانات والصراع والجائحة، إذ فقد معظم السكان وظائفهم، وأصبح الحصول على الغذاء أمرًا في غاية الصعوبة.

السيول والفيضانات

وتمر جنوب السودان حاليًّا بأسوأ سيول وفيضانات منذ نحو 60 عامًا، إذ أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تضرُّر نحو 700 ألف شخص، كما جرفت الأمطار الغزيرة المنازل وأغرقت الأراضي الزراعية.

وتتوقع المفوضية أن تستمر السيول في جنوب السودان حتى نهاية العام الجاري، الأمر الذي قد يتسبَّب في تجدُّد الصراع وارتفاع وتيرة العنف أثناء البحث عن الغذاء وإمدادات المياه النظيفة.

دور الإغاثة الإسلامية في جنوب السودان

ورغم خطورة الأوضاع، تعمل الإغاثة الإسلامية في جنوب السودان منذ عام 2003 في تسع مقاطعاتٍ داخل أربع ولاياتٍ للتخفيف من الآثار الناجمة عن الصراعات والكوارث الطبيعية عبر تصميم الاستجابات الطارئة للأزمات وتعزيز سبل التنمية المستدامة.

الإغاثة الإسلامية تعتمد في عملها بجنوب السودان على تحقيق أهدافٍ عدة، مثل: تقديم المساعدة في حالات الطوارئ، وتوفير فرص عمل للأُسَر الفقيرة لزيادة دخلهم، وتنفيذ برامج للحد من انعدام الأمن الغذائي.

 

وركَّزت المنظمة جهودها على تحسين نوعية الحياة للفئات الضعيفة خاصة النساء والأطفال، من خلال الاستثمار في التعليم والصحة وتوفير إمدادات المياه النظيفة والصرف الصحي للسكان، بالإضافة إلى البرامج الموسمية

برنامج الاستجابة للطوارئ

ونتيجة لتفاقم الآثار المتراكمة للعنف والفيضانات، اهتمت الإغاثة الإسلامية من خلال برنامج الاستجابة للطوارئ بتوفير إمدادات المياه والصرف الصحي من خلال حفر أو إعادة تأهيل الآبار وبناء المراحيض للسكان النازحين.

كما تعمل المنظمة على رعاية الفئات الضعيفة، خاصة الأطفال، من خلال توزيع المواد الغذائية الأساسية وغير الأساسية وتوفير الرعاية الصحية الأولية والأدوية الوقائية.

 

المياه والصرف الصحي

وتستهدف الإغاثة الإسلامية من خلال برنامج توفير المياه والصرف الصحي والنظافة الفئات الأكثر ضعفًا في نطاق عملياتها في المقاطعات التسعة.

وتوفر المنظمة المياه النظيفة للناس والماشية من خلال حفر الآبار، وإعادة تأهيل نقاط المياه، واستخدام تكنولوجيا الطاقة الشمسية لضخ المياه من الآبار إلى الخزانات المرتفعة.

وبالتوازي، دمجت الإغاثة الإسلامية برنامج إمدادات المياه مع برامج كسب العيش، ومن ثم وفَّرت تقنيات الري بالتنقيط للمزارعين لزيادة الإنتاج وتحسين جودة الغذاء.

 

الصحة والتغذية

وفي عام 2004، شرعت الإغاثة الإسلامية في جنوب السودان في تطوير برنامج للتعليم والصحة، حيث أنشأت وحدة للرعاية الصحية الأولية في مقاطعة “واراب”.

وتعمل المنظمة من خلال برنامج الصحة والتغذية على الحد من انتقال الأمراض، وتخفيف معاناة السكان والنازحين، وتخفيض حالات الوفاة، كما قدَّمت المؤسسة برنامجا لعلاج سوء التغذية الحاد، للتخفيف من آثاره ومضاعفاته خاصة لدى الأطفال.

 

الأمن الغذائي

وفي ظل تداعيات الصراع الخطيرة، تعمل الإغاثة الإسلامية على برامج التمكين الاقتصادي للأُسَر الأكثر ضعفًا من خلال تأسيس مجموعات عمل لتعظيم إنتاجهم باستخدام الموارد المحلية المحدودة من أجل تعزيز أمنهم الغذائي وجعلهم أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات.

 

توفير سُبل العيش المستدامة

وبالتزامن مع برامج الاستجابة للطوارئ، ركَّزت الإغاثة الإسلامية على توفير سُبل العيش المستدامة للسكان من خلال زيادة دخل الأُسَر عن طريق الاستثمار في الثروة الحيوانية، وتوفير الأرض الصالحة للزراعة، وإدارة الموارد الطبيعية، فضلا عن مبادرات التعامل مع التغيرات المناخية.

وفي عام 2014، زوَّدت المنظمة الفئات الضعيفة والمُهمَّشة بمجموعات البذور والمحاصيل، وأدوات الصيد، وأدوات الزراعة، كما قدَّمت تدريبًا لبناء قدرات المزارعين، وأنشأت مرافق لمياه الري.

 

الحد من مخاطر الكوارث الطبيعية

ونظرًا للتقلبات المناخية والفيضانات التي تُهدِّد البلاد، صمَّمت الإغاثة الإسلامية برنامجًا للحد من مخاطر الكوارث الطبيعية، تعمل من خلاله على بناء قدرات المجتمع المحلي بحيث يصبح أكثر مرونة عند مواجهة الكوارث.

 

البرامج الموسمية

البرامج الموسمية السنوية التي تُقدِّمها الإغاثة الإسلامية في جنوب السودان تنقسم إلى نوعين: الأول موسم رمضان، وفيه تُقدِّم المنظمة الطرود الغذائية للأُسَر المستحقة، والثاني موسم عيد الأضحى، وتوفر خلاله المنظمة أجود لحوم الأضاحي لمَن يعانون من سوء التغذية.

قصة ملهمة

قبل خمس سنواتٍ، اعتاد جون دو أن يجلس وحيدًا يفكر في طلاب مدرسته الابتدائية، هؤلاء الصغار الذين يقطعون مسافاتٍ طويلة من أجل شربة ماء، ويقضون حاجتهم في العراء وسط الأفاعي والعقارب الخطيرة.

رغم أن جون دو كان مديرًا لمدرسة “برين ستورم الابتدائية” بمنطقة ناروس التي تقع شرق كبوتيا في ولاية شرق الاستوائية، فإنه لم يكن بيديه شيء يفعله لإنقاذ نحو 540 طفلًا وطفلةً مُعرَّضين للخطر أثناء محاولاتهم الحثيثة لشرب المياه أو قضاء الحاجة.

 

“كان الطلاب يُخبرون المعلمين أنهم بحاجة إلى شرب المياه، لكنهم للأسف يعودون للفصل بعد انتهاء الدروس. كان ذلك تحديًا”. هكذا يقول جون دو الذي يخشى أن يترك هؤلاء الأطفال المدرسة بسبب الصعوبات التي يقابلونها طوال اليوم.

في الوقت المناسب، استجابت الإغاثة الإسلامية لهؤلاء الصغار، ومنحتهم الأمل في مستقبلٍ أفضل، إذ وفرت لهم إمدادات مياه الشرب النظيفة والصرف الصحي ودورات المياه والصابون، ولم يعودوا مضطرين لقطع مسافاتٍ طويلة لشرب المياه أو قضاء حاجتهم في العراء.

بفرحة بالغة يقول جون دو: “نحن سعداء للغاية لأننا أصبحنا نملك المياه. لقد واجهنا الكثير من التحديات قبل أن تبدأ الإغاثة الإسلامية هذا المشروع”.

بعد توفير المياه، فكَّر جون دو في توفير الغذاء الصحي لطلابه لتحسين وضعهم الصحي وحمايتهم من سوء التغذية والأمراض المرتبطة به.

أفكار جون دو التنموية حوَّلت قطعة الأرض الصحراوية أمام مدرسته إلى مزرعة صغيرة توفر لطلابه الخضراوات والفاكهة، وفي وقت الغداء يجمع الصغار ما يحتاجون إليه لإعداد وجبات مغذية.

 

“إذا تعاونا، يمكننا أن نفعل شيئًا. هذه هي الطريقة الوحيدة لتحسين وضع التعليم في مجتمعنا. أنا سعيد جدًّا لذلك”. هكذا يتمنى جون دو أن يتعاون الجميع مع الإغاثة الإسلامية للوصول إلى مدارس أكثر من أجل تعزيز قدرتها على استيعاب طلاب أكثر.

جميع الحقوق محفوظة لمنظمة الإغاثة الإسلامية عبر العالم 2021 ©
الإغاثة الإسلامية عبر العالم منظمة خيرية دولية غير حكومية مسجلة فى المملكة المتحدة برقم : 328158

تبـــــرع سريــــع