ما هو الإحرام؟
الإحرام في اللغة هو الدخول في شيء والتحريم عليه، أما في الاصطلاح الشرعي فهو نية الدخول في مناسك الحج أو العمرة مع التلفظ بالتلبية أو عمل من أعمالها، وهو بمثابة البداية الرسمية للنسك، وبه يتحول الإنسان من حاله الطبيعية إلى حالة روحانية خاصة تستوجب الالتزام بضوابط شرعية محددة. وقد سمي الإحرام بهذا الاسم لأن المسلم يحرم على نفسه بمجرده أمورا كانت مباحة له من قبل، مثل لبس المخيط للرجال أو تغطية الرأس أو استعمال الطيب.
ورد في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى مناسك الحج قال: “لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ”، وهذا يدل على أن الإحرام نية مقرونة بقول أو فعل، وبه تبدأ الأحكام الشرعية الخاصة بالمحرم. كما أن الإحرام شرط لصحة الحج والعمرة، فلا يصح نسك بدونه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ” (المائدة: 95)، وهذه الآية الكريمة تربط بين دخول الإحرام وتحريم صيد البر.
ما المقصود بمحظورات الإحرام؟
محظورات الإحرام هي الأفعال والأقوال التي يمنع الشرع على المحرم فعلها أو قولها منذ لحظة الإحرام حتى التحلل، وقد وردت نصوصها في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وتنقسم هذه المحظورات إلى قسمين رئيسيين:
- محظورات مشتركة: تشمل الرجال والنساء على حد سواء، مثل حلق الشعر وتقليم الأظافر واستعمال الطيب.
- محظورات خاصة: تختص بأحد الجنسين دون الآخر، مثل لبس المخيط للرجال، وتغطية الوجه بالنقاب للنساء.
وتختلف الأحكام المتعلقة بمخالفة هذه المحظورات بين الفدية والكفارة حسب نوع المخالفة وحال المخالف، فمن فعل محظورا ناسيا أو جاهلا أو مكرها فلا شيء عليه، أما من تعمد فعله فإنه يتحمل المسؤولية الشرعية كاملة.
محظورات الإحرام المشتركة بين الرجال والنساء
هناك مجموعة من محظورات الإحرام التي تلزم الرجال والنساء على حد سواء، وهي تأتي في مقدمة الأحكام التي يجب على كل حاج ومعتمر معرفتها:
إزالة الشعر
يحرم على المحرم -رجلا كان أو امرأة- إزالة أي شعر من جسمه بأي وسيلة، سواء بالحلق أو القص أو النتف أو استعمال كريمات إزالة الشعر، وقد استدل الفقهاء على ذلك بقوله تعالى: “وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ” (البقرة: 196)، وألحقوا بالرأس سائر أعضاء الجسم من حيث التحريم.
تقليم الأظافر
يحرم تقليم الأظافر أو قصها أثناء الإحرام، ويُلحق الفقهاء بهذا الحكم إزالة الجلد الجاف أو ظفر القدم، وذلك لأن هذه الأفعال تتعلق بالزينة والتنظيف المشابه لإزالة الشعر، فإذا احتاج المحرم إلى ذلك بسبب ضرر أو تكسر في الظفر فلا بأس إذا دعت الحاجة، لكن الأصل هو الامتناع.
استعمال الطيب
يحرم على المحرم استعمال الطيب بجميع أنواعه بعد عقد الإحرام، سواء في البدن أو الثوب أو الطعام، ويستثنى من ذلك ما كان قبل الإحرام، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتطيب قبل أن يحرم، واستدل الفقهاء بحديث: “اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا رأسه ولا تحنطوه”، فالحنط هو وضع الطيب، ومنه استخلصوا التحريم. أما مستحضرات التنظيف الخالية من العطر الصريح فقد اختلف الفقهاء فيها.
الجماع
يحرم الجماع على المحرم صراحة، وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: “فَلَا رَفْثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ” (البقرة: 197)، والرفث يطلق على الجماع وما يقاربه من الفحش، ومخالفة هذا الحكم تستوجب فساد النسك والكفارة والقضاء، وهو من أشد المحظورات.
المباشرة بشهوة
يحرم على المحرم المباشرة بشهوة، وهو ما دون الجماع من التقبيل واللمس المشتهى، وقد دخل في عموم قوله تعالى: “فَلَا رَفْثَ”، ويستدل الفقهاء أيضا بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المحرم عن النكاح والخطبة، فما دونه أولى بالتحريم.
عقد النكاح والخطبة
يحرم على المحرم عقد النكاح لنفسه أو لغيره، كما يحرم الخطبة والإيجاب والقبول، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تنكحوا النساء في الحج”، فالنكاح في الحج باطل شرعا، ومن عقد نكاحا وهو محرم فنكاحه باطل لا يصح.
قتل صيد البر
يحرم على المحرم قتل صيد البر، سواء كان طيرا أو حيوانا، وقد ورد في القرآن الكريم: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ” (المائدة: 95)، ومن قتله متعمدا فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذو عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما.
الرفث والفسوق والجدال
يجب على المحرم ترك الرفث -وهو الفحش من القول- والفسوق -وهو ارتكاب المعاصي- والجدال -وهو المخاصمة في الباطل-، وقد وعد الله تعالى من ترك ذلك بقوله: “رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ”، وهذا يدل على عظمة الأجر لمن التزم بالآداب الشرعية.
متى تبدأ محظورات الحج ؟
تبدأ محظورات الحج بمجرد عقد نية الإحرام وتلفظ التلبية أو فعل ما يقوم مقامها، وقد ورد في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم حدد مواقيت للإحرام، فليس من السنة أن يحرم الإنسان قبل الوصول إلى الميقات المكاني المحدد له شرعا، لكن إذا أحرم قبله فإن إحرامه صحيح وتلزمه المحظورات.
يقول العلماء: “إذا أحرم من بلده أو من غيره فإنه يلزمه أن يتجنب محظورات الإحرام”، وهذا يعني أن الأحكام الشرعية تنطلق من لحظة الإحرام وليس من لحظة الوصول إلى مكة. أما بالنسبة للعمرة فيبدأ الإحرام عند الوصول إلى الميقات أيضا أو عند قرب الدخول إلى الحرم المكي.
- الحنفية: يعتبرون أن الإحرام ينعقد بنية الدخول في النسك مع التلبية أو السعي أو نحوهما.
- المالكية: يشترطون النية مع التوجه إلى مكة واقتران ذلك بعمل من أعمال المناسك.
- الشافعية والحنابلة: تبدأ المحظورات عند نية الدخول في النسك والبدء بالمناسك.
محظورات الإحرام للرجال
بالإضافة إلى المحظورات المشتركة، هناك محظورات خاصة بالرجال تتعلق بالزينة والملبس والمظهر الخارجي أثناء الإحرام:
لبس المخيط
يحرم على المحرم لبس الملابس المفصلة على الجسم أو على جزء منه، ومن ذلك القميص والبرنس والسراويل والعمامة والخفين، وقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: “ما يلبس المحرم؟” فقال: “لا يلبس القميص ولا البرنس ولا السراويل ولا العمائم ولا الخفاف”، ويستثنى من لم يجد إزارا فليلبس السراويل، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين.
وقد توهم بعض الناس أن المخيط هو ما فيه خياطة، وليس الأمر كذلك، بل المخيط هو ما فُصل على البدن أو جزء منه، فلو لبس إنسان قميصا منسوجا بدون خياطة فهو محظور، أما الإزار والرداء فإنهما يحتويان على خيوط لكنهما ليسا مخيطين على البدن، فيجوز لبسهما.
تغطية الرأس
يحرم على المحرم تغطية رأسه بغطاء يلاصق الرأس، مثل الطاقية والغترة والعمامة والكمامة إذا كانت تغطي الرأس كلها، أما لو كانت الكمامة لا تغطي إلا الأنف والفم دون بقية الرأس فلا بأس بها عند بعض العلماء. ويستثنى من ذلك تغطية الرأس لحاجة مثل الحماية من الشمس أو المطر أو سقوط شيء عليه، بشرط أن يكون ذلك بيديه مباشرة دون ربط.
محظورات الإحرام للنساء
أما النساء فلهن محظورات خاصة بهن أيضا، بالإضافة إلى المحظورات المشتركة، وهي تتعلق بستر الوجه واليدين:
لبس النقاب والبرقع
يحرم على المرأة المحرمة أن تلبس النقاب أو البرقع، وهو ما يغطي الوجه ويفتح لعينيها ما تنظر به، وقد ورد في الحديث الصحيح: “لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين” (رواه البخاري)، والمشروع للمرأة المحرمة أن تكشف وجهها، إلا إذا مر بها رجال غير محارم، فإنها تستر وجهها بإسدال خمارها أو بيدها دون أن يلاصق الوجه غطاء مخيط.
لبس القفازين
يحرم على المرأة المحرمة لبس القفازين -وهما ما يخاط أو ينسج من الصوف أو القطن على قدر اليدين- ويستثنى من ذلك ما دعت الحاجة إليه لحماية اليد من البرودة أو الحرارة الشديدة أو التعرض لأذى، بشرط عدم وجود بديل، وأما الجوارب العادية فليست من القفازين فتجوز. ويجوز للمرأة المحرمة لبس كل ما عدا النقاب والقفازين، مثل القميص والسراويل والخفين والجوارب.
ما هي فدية محظورات الإحرام؟
فدية محظورات الإحرام هي كفارة شرعية تترتب على فعل المحرم لشيء من المحظورات عالما بتحريمها ذاكرا له، وهي واجبة على من وقع في المحظور متعمدا، أما من فعله ناسيا أو جاهلا أو مكرها فلا شيء عليه. وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن الفدية على التخيير بين ثلاثة أمور:
- الذبح: أن يذبح شاة توزع على فقراء الحرم المكي حسب الضوابط الشرعية.
- الإطعام: أن يطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من الطعام.
- الصيام: أن يصوم ثلاثة أيام.
وقد ذهبت بعض جهات الفتوى إلى أنه إذا ارتكب المحرم محظورا وكرره فتجب عليه فدية واحدة ما لم يكفر عن الأول قبل فعل الثاني، وهذا يعني أن التكرار دون تكفير لا يتعدد به الفدية. أما في حالة الجماع فالحكم أشد، حيث يفسد النسك ويجب القضاء والكفارة.
كفارة محظورات الإحرام للنساء
كفارة محظورات الإحرام للنساء لا تختلف في أصلها عن كفارة الرجال، فالفدية واحدة بالنسبة للمحظورات العامة مثل إزالة الشعر أو تقليم الأظافر أو استعمال الطيب، وهي على التخيير بين الذبح أو الإطعام أو الصيام. وقد أوضحت دار الإفتاء المصرية أن هذه الفدية تجب على المرأة كما تجب على الرجل في المحظورات المشتركة.
أما إذا وقعت المرأة في محظور خاص بها مثل لبس النقاب أو القفازين، فإن الفدية تكون على نفس النحو أيضا على التخيير بين الثلاثة. ومن المهم أن تعرف المرأة المحرمة أنها إذا فعلت المحظور ناسية أو جاهلة فلا فدية عليها، بل تزيل المحظور فور تذكرها أو علمها، فإن كانت لابسة للنقاب ناسية فتنزعه حال تذكرها ولا شيء عليها.
أشياء مباحة أثناء الإحرام
هناك أمور كثيرة يظن بعض الناس أنها من محظورات الإحرام وهي في الحقيقة مباحة، ومن أبرزها:
- الاستحمام: يجوز للمحرم الاغتسال وغسل رأسه وجسده بالماء العادي، ويجوز له حك رأسه برفق، فإن سقط من شعره شيء بسبب ذلك فلا حرج عليه.
- لبس الساعة والخاتم والنظارة: يجوز للمحرم لبس الساعة والخاتم والنظارة الطبية، فهذه ليست من المخيط المحرم.
- النوم: النوم ليس من محظورات الإحرام، ويجوز للمحرم النوم في أي وضعية وبأي مدة.
- استعمال مزيل العرق الخالي من العطر: يجوز استعمال مزيل العرق الذي لا يحتوي على رائحة عطرية صريحة، وقد اختلف العلماء فيما إذا كان يجوز استعمال مزيل العرق العادي.
- غسل الثياب وخلعها: يجوز للمحرم غسل ثيابه التي أحرم فيها وخلعها وإبدالها بغيرها من غير المخيط.
- تناول الطعام والشراب: لا يوجد أي قيد على تناول الطعام والشراب أثناء الإحرام، إلا ما كان فيه طيب كالزعفران القوي الرائحة.
أخطاء شائعة أثناء الإحرام
يرتكب بعض الحجاج والمعتمرين أخطاء شائعة أثناء الإحرام بسبب الجهل أو التقليد الخاطئ، ومن أبرز هذه الأخطاء:
- الظن بأن المخيط هو ما فيه خياطة: والصحيح أن المخيط هو ما فُصل على البدن، فالقميص المنسوج بدون خياطة محظور، والإزار المخيط محلل.
- استعمال الطيب بجميع أنواعه: بعض الناس يظن أن أي شيء يوضع على البدن محظور، والصحيح أن المحظور هو الطيب الصريح، أما المرطبات والأدوية فلا بأس بها.
- الإحرام قبل الميقات: الإحرام قبل الوصول إلى الميقات ليس محظورا لكنه مخالف للسنة، والأفضل الانتظار حتى الميقات.
- نسيان ترك المحظور عند التذكر: من تذكر أنه يفعل محظورا وجب عليه التوقف فورا، ولا يكفي مجرد العلم دون التوقف.
- الجدال والرفث: كثير من الناس يهتم بالمحظورات الجسدية ويهمل المحظورات اللفظية والسلوكية كالجدال والسباب.
نصائح للحجاج
لضمان رحلة حج أو عمرة خالية من المخالفات الشرعية، يقدم فريق الإغاثة الإسلامية عبر العالم مجموعة من النصائح العملية للحجاج والمعتمرين:
- الاطلاع قبل السفر: اقرأ دليلا موثوقا عن محظورات الإحرام قبل السفر، فالمعرفة المسبقة تمنع الوقوع في المخالفات.
- إعداد ملابس الإحرام مسبقا: جهز الإزار والرداء قبل الوصول إلى الميقات، وتأكد من خلوهما من الطيب.
- تجنب الصيد: تجنب الأماكن التي قد يوجد فيها صيد البر، خاصة في المناطق المفتوحة حول مكة.
- اصطحاب مرطب خال من العطر: استخدم مرطبات خالية من الروائح العطرية للحفاظ على بشرتك دون مخالفة.
- الصبر على الجدال: تذكر دائما أن الحج مدرسة للصبر، فتجنب الجدال والخصومات مهما كانت الأسباب.
- الاستعانة بالعلماء الموثوقين: إذا وقعت في شك حول محظور من محظورات الإحرام، اسأل عالما موثوقا بدل التخمين.
وتذكر دائما أن الحج رحلة روحانية عظيمة، فاجعل هدفك الأساسي التقرب إلى الله ونسيان المشاحنات الدنيوية.