نعم، يجوز إخراج كفالة اليتيم من مصارف الزكاة شرعًا إذا كان اليتيم فقيرًا أو مسكينًا يندرج تحت الأصناف الثمانية لمصارف الزكاة الواردة في سورة التوبة، ولا يكفي مجرد اليتم وحده لاستحقاق الزكاة، بل لا بد من توافر شرط الفقر أو الحاجة الشرعية، وألا تكون النفقة واجبة على المزكي. وفي هذا المقال نستعرض حكم كفالة اليتيم من مصارف الزكاة بالتفصيل، مع الأدلة من القرآن والسنة، وشروط الاستحقاق، والفرق بين الزكاة والصدقة، وكيف يمكن الجمع بين الأجرين عبر قنوات موثوقة مثل الإغاثة الإسلامية عبر العالم.
أهمية الزكاة في التكافل الاجتماعي
الزكاة الركن الثالث من أركان الإسلام، وهي حق المال الذي جعله الله وسيلة لإقامة التكافل بين المسلمين وسد حاجة الفقراء والمساكين. وقد قرنها الله بالصلاة في أكثر من سبعين موضعًا في القرآن الكريم إشارة إلى عظم مكانتها. وتبرز مسألة كفالة اليتيم من مصارف الزكاة بوصفها تطبيقًا حيًا لمقاصد الزكاة في صون الفئات الأضعف في المجتمع.
مكانة كفالة اليتيم في الإسلام
حثّ الإسلام على الإحسان إلى اليتيم ورعايته في أكثر من عشرين آية قرآنية، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم كافل اليتيم رفيقًا له في الجنة، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا»، وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى (رواه البخاري ومسلم). ومن هنا تتكرر مسألة هل يجوز كفالة اليتيم من مال الزكاة عند كثير من الراغبين في الأجرين معًا.
سبب شيوع هذا السؤال بين المتبرعين
يلتبس الأمر على كثير من المسلمين بين الصدقة والزكاة، وبين كفالة اليتيم ورعايته تطوعًا، خاصة مع وجود جمعيات كفالة الأيتام التي تتيح توجيه المبلغ إما كزكاة أو كصدقة. ومن هنا تأتي الحاجة إلى بيان حكم كفالة اليتيم من مصارف الزكاة حتى يخرج المسلم زكاته على الوجه الصحيح.
ما المقصود بكفالة اليتيم؟
تعريف اليتيم شرعًا
اليتيم في اللغة والشرع هو الطفل الذي فقد أباه قبل بلوغه. قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء:3]. وفي اصطلاح الفقهاء: اليتيم من فقد أبوه قبل البلوغ، فإن بلغ انتقل حكمه وإن بقي يتيمًا في العرف، وهذا التمييز مهم عند النظر في حكم كفالة اليتيم من مصارف الزكاة.
مفهوم كفالة اليتيم
كفالة اليتيم هي تولي نفقته ورعايته وتعليمه وتربيته، وتشمل عدة أبعاد:
- الإنفاق على مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه.
- تحمل تكاليف تعليمه وعلاجه إن مرض.
- رعايته تربويًا وأخلاقيًا حتى يبلغ.
- حفظ ماله إن كان له مال والإشراف عليه.
صور كفالة اليتيم المعاصرة
تتعدد صور الكفالة في زماننا بحسب الحاجة، وتُعد كفالة اليتيم من مصارف الزكاة في صورتها المالية من أكثرها شيوعًا:
- كفالة مالية شهرية عبر الجمعيات الخيرية الموثوقة.
- كفالة تعليمية بتغطية المصاريف الدراسية والجامعية.
- كفالة صحية بتأمين العلاج والأدوية.
- كفالة اجتماعية كالإشراف الأسري وتوفير السكن.
ما هي مصارف الزكاة الثمانية؟ وكيف يندرج اليتيم الفقير ضمن الفقراء والمساكين؟
الدليل من القرآن الكريم
حددت آية التوبة مصارف الزكاة تحديدًا واضحًا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:60]. فهذه ثمانية أصناف لا يجوز صرف الزكاة في غيرها، وهذا هو الأصل الذي يحدد حكم كفالة اليتيم من مصارف الزكاة.
شرح مصارف الزكاة بإيجاز
- الفقراء: من لا يجد ما يكفيه وسد نصف حاجته.
- المساكين: من يجد نصف كفايته أو أكثرها قليلًا.
- العاملون عليها: من يجمع الزكاة ويحفظها ويوصلها.
- المؤلفة قلوبهم: من يُرجى إسلامه أو قوة إيمانه.
- في الرقاب: تحرير العبيد وفك الأسارى.
- الغارمون: من ترتبت عليهم ديون في غير معصية.
- في سبيل الله: الجهاد وكل عمل خيري عند بعض العلماء.
- ابن السبيل: المسافر الذي انقطعت نفقته.
أين يندرج اليتيم ضمن هذه المصارف؟
لم تذكر آية التوبة صنفًا مستقلًا اسمه الأيتام، لكن الفقهاء أجمعوا على أن اليتيم إذا كان فقيرًا دخل في عموم الفقراء والمساكين، فتصح حينئذ كفالة اليتيم من مصارف الزكاة. فإن كان لليتيم مال يكفيه لم يستحق الزكاة، وإن لم يكن له مال أو كان ماله لا يكفيه جاز أن يُعطى من الزكاة كفقير أو مسكين. وهذا مقرر عند المذاهب الأربعة.
هل كفالة اليتيم من مصارف الزكاة؟
الحكم الشرعي العام
اتفق العلماء المعاصرون على أن كفالة اليتيم من مصارف الزكاة جائزة إذا كان اليتيم مستوفيًا لشروط الاستحقاق. وقد أفتى سماحة المفتي العام وفضيلة الشيخ ابن باز رحمه الله بقوله: «إذا كان اليتيم فقيرًا فلا بأس من الزكاة وغيرها». كما أفتى الشيخان سعد الشثري وعبدالله المنيع بجواز صرف الزكاة لجمعيات كفالة الأيتام متى تحققت شروط الاستحقاق. إسلام ويب – فتوى 55778 | ابن باز – الفتوى 14010
هل اليتم وحده سبب لاستحقاق الزكاة؟
الجواب: لا. اليتم وحده لا يكفي لاستحقاق الزكاة. وقد نصّ الفقهاء على أن اليتيم إن كان غنيًا بمال أو وظيفة أو من يكفيه لم يجز دفع الزكاة إليه، ومن هنا يتضح أن كفالة اليتيم من مصارف الزكاة مشروطة بالفقر لا بمجرد اليتم. قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء:6]، إشارة إلى أن بعض الأيتام قد يملكون أموالًا.
متى يكون اليتيم مستحقًا للزكاة؟
يكون اليتيم مستحقًا للزكاة في الحالات التالية، وتتحقق عندها كفالة اليتيم من مصارف الزكاة:
- أن يكون فقيرًا لا يملك ما يكفيه أو ما يقوم بكفايته.
- أن يكون مسكينًا لا يجد ما يسد حاجته الأساسية.
- أن يكون محتاجًا فعلًا لا مجرد فاقد لأبيه.
- ألا يكون له ولي شرعي ينفق عليه بسخاء ويكفيه.
- أن يكون في عداد الأصناف الثمانية المذكورة في القرآن.
شروط إعطاء الزكاة لليتيم
اشترط الفقهاء شروطًا لجواز كفالة اليتيم من مصارف الزكاة، أهمها:
- تحقق الفقر أو الحاجة: أن يكون اليتيم فقيرًا أو مسكينًا فعلًا.
- ألا تكون النفقة واجبة على المزكي: لو كان اليتيم ابن المزكي لم يجز دفع الزكاة إليه.
- تمليك الزكاة: تُدفع لليتيم أو لوليه الشرعي ليصرفها في مصالحه.
- النية الصحيحة: ينوي المزكي عند الدفع أنها زكاة.
- صرفها في مصارفها الشرعية: لا تُصرف في رواتب إدارية إلا بقدر ما يصل منها للمستحقين.
- التحقق من الاستحقاق: يُسأل عن حال اليتيم أو الجهة الوسيطة.
هل يجوز إعطاء الزكاة لليتيم الغني؟
لا يجوز صرف كفالة اليتيم من مصارف الزكاة إذا كان غنيًا يملك ما يكفيه أو كانت نفقته مغطاة بالكامل، لأن الزكاة حق الفقراء والمساكين. فإن كان له مال كثير أو عقار أو ميراث يغنيه، أو كان له قريب غني ينفق عليه بسخاء، فإنه لا يستحق الزكاة. دار الإفتاء المصرية – فتوى 15210
الفرق بين كفالة اليتيم من الزكاة وكفالته من الصدقة
لمعرفة المزيد عن برامج كفالة الأيتام التي تقدمها الإغاثة الإسلامية عبر العالم، يمكنك زيارة صفحة المشاريع المخصصة لرعاية الأيتام على موقعنا.
يتشابه الأمران ظاهريًا لكنهما يختلفان في الحكم:
- كفالة اليتيم من الزكاة: تكون عند تحقق الفقر والحاجة، وتخرج عن الفريضة الواجبة.
- كفالة اليتيم من الصدقة: تكون مطلقًا سواء أكان غنيًا أم فقيرًا، وهي تطوعية.
- الأجر: الزكاة فريضة، والصدقة تطوع يضاعف أجرها بحسب نية المنفق.
- النية: الزكاة لا تصح إلا بنية الزكاة، أما الصدقة فنية التبرع كافية.
فضل كفالة اليتيم في الإسلام
لكفالة اليتيم فضائل عظيمة، وهذه الفضائل مشتركة سواء كانت الكفالة من الزكاة أم من الصدقة:
- مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة كما في حديث أبي هريرة.
- درك عقبة المرور يوم القيامة، قال ابن مسعود رضي الله عنه: العقبة كفالة اليتيم تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾.
- أن الإحسان إلى اليتيم من صفات المتقين، قال تعالى: ﴿وَيْطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾.
- أن النبي صلى الله عليه وسلم قرن الإحسان إلى اليتيم بصلة الرحم وبر الوالدين.
أمثلة عملية لحالات مختلفة
يتيم فقير بلا دخل
هذا هو الأصل في جواز كفالة اليتيم من مصارف الزكاة. يتيم مات أبوه ولم يترك له مالًا ولا قريبًا غنيًا، فهذا من مصارف الزكاة بلا خلاف، ويجوز إخراج كفالته من الزكاة إذا تحققت نية الزكاة عند الدفع.
يتيم لديه ميراث يكفيه
إذا ورث اليتيم مالًا يكفيه لسد حاجاته الأساسية فلا يجوز صرف كفالة اليتيم من مصارف الزكاة إليه، لكن يجوز صرفها في وجوه الخير الأخرى كالإنفاق على تعليمه أو علاج لا يقدر عليه من ماله. جمعية رفد – شروط وأحكام دفع الزكاة للأيتام.
يتيم تكفله جهة خيرية
إذا كانت مؤسسة كفالة الأيتام تصرف على اليتيم من مصادرها المختلفة، فيجوز للمسلم دفع زكاته لتلك المؤسسة بشرط أن تعلم الجهة أن المبلغ زكاة وأن تصرفه في فقراء الأيتام المستحقين. وقد أفتى بجواز كفالة اليتيم من مصارف الزكاة في هذه الصورة الشيخان ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله.
يتيم يحتاج إلى تعليم أو علاج
إذا كان اليتيم فقيرًا ويحتاج إلى تكاليف تعليم أو علاج، فيجوز دفع الزكاة لتغطية هذه النفقات إذا كان التعليم أو العلاج داخلًا في كفايته الأساسية. وهذه الصورة من أوضح تطبيقات كفالة اليتيم من مصارف الزكاة في المجتمعات المعاصرة.
أخطاء شائعة عند إخراج الزكاة للأيتام
الاعتقاد أن كل يتيم يستحق الزكاة
خطأ شائع يظن فيه كثير من الناس أن اليتيم بمجرده يستحق الزكاة، وهذا غير صحيح. اليتيم الغني لا يستحق الزكاة، بل لا بد من توافر الفقر أو الحاجة. راجع دار الإفتاء الأردنية – الفتوى 562 لمزيد من التفصيل.
عدم التحقق من الحاجة المالية
بعض المزكين يدفعون الزكاة لدار أيتام دون التأكد من أن الأيتام فيها فقراء فعلًا، ومنهم من يدفعها لدار تضم أيتامًا من أسر غنية. والواجب التحقق من استحقاق الأيتام قبل الدفع حتى تصح كفالة اليتيم من مصارف الزكاة.
الخلط بين الزكاة والصدقة
يخلط كثيرون بين الزكاة والصدقة، فيدفعون زكاة المال في وجوه لا تجوز فيها الزكاة كبناء المساجد أو كفالة أيتام أغنياء. والواجب التمييز بينهما والنية لكل واحدة.
إرسال الزكاة لجهات غير موثوقة
من الأخطاء إرسال الزكاة لجمعيات غير معتمدة، فقد لا تصل الزكاة لمستحقيها. ومن أوثق القنوات الإغاثة الإسلامية عبر العالم، إذ تعمل في أكثر من 44 دولة وتلتزم بضوابط إيصال الزكاة لمستحقيها وفق معايير شرعية موثقة.
كيف تجمع بين أجر الزكاة وأجر كفالة اليتيم؟
أفضل طرق دعم الأيتام
يتطلع كثير من المسلمين إلى الجمع بين الأجرين: أجر إخراج الزكاة الواجبة وأجر كفالة اليتيم التطوعية. وأفضل الطرق لتحقيق ذلك الجمع بين كفالة اليتيم من مصارف الزكاة والصدقة التطوعية:
- إخراج زكاة المال لمستحقيها من الأيتام الفقراء بنيّة الزكاة.
- التصدق على نفس اليتيم بصدقة تطوعية فوق الزكاة.
- المشاركة في تمويل برامج كفالة الأيتام عبر مؤسسات مرخصة.
- دعم تعليم الأيتام ومحو الأمية في المناطق المنكوبة.
الجمع بين الزكاة والصدقات التطوعية في كفالة اليتيم من الزكاة
يمكنك إخراج زكاة المال لليتيم الفقير، ثم تزيد عليها صدقة تطوعية في نفس الشهر، فيكتب لك أجر الواجب وأجر التطوع معًا. ومن أعظم الصدقات التطوعية اليوم التبرع الآن لإغاثة غزة، إغاثة السودان، إغاثة لبنان، حيث ينتشر ملايين الأيتام في هذه المناطق.
الاستدامة في رعاية اليتيم
الاستدامة في كفالة اليتيم من أعظم القربات، وتتحقق بعدة وسائل:
- الكفالة الشهرية المنتظمة عبر مؤسسة موثوقة مثل الإغاثة الإسلامية عبر العالم التي تشرف على برامج كفالة الأيتام في أكثر من 44 دولة.
- تكوين صندوق وقفي لرعاية الأيتام.
- تبني مشاريع تنموية صغيرة لأسر الأيتام لتأمين دخل مستمر.
- المشاركة في تبرع الآن لمساعدة المحتاجين حول العالم لتوسيع أثر كفالة الأيتام.