سؤال يتردد كثيرًا مع اقتراب شهر ذي الحجة: هل كان الرسول يصوم العشر من ذي الحجة؟ والإجابة ليست بسيطة كما يظنها بعضهم؛ إذ تتقاطع في هذه المسألة روايتان من أمهات المؤمنين، تبدوان للوهلة الأولى متعارضتين، وقد أجهد العلماء أنفسهم على مدى قرون في الجمع بينهما والترجيح.
ما يجمع عليه أئمة الفقه الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة هو أن صيام الأيام التسع الأولى من ذي الحجة مشروع ومستحب. أما هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يصومها بنفسه فعلاً فهو ما سيجيب عنه هذا المقال بتفصيل، مع استعراض الأدلة والآراء العلمية المعتمدة.
تبرع اضاحي العيد مع الإغاثة الإسلامية
قبل الخوض في مسألة الصيام، لا بد من فهم لماذا خص الله هذه الأيام بالفضل العظيم. العشر من ذي الحجة ليست مجرد أيام عادية في التقويم الهجري، بل هي أيام اجتمع فيها ما لم يجتمع في غيرها.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء” (رواه البخاري رقم 969، وأبو داود 2438، والترمذي 757).
هذا الحديث الصحيح هو الأساس الذي بنى عليه العلماء استحباب كل عمل صالح في هذه الأيام، بما فيها الصيام. وقد علل الحافظ ابن حجر العسقلاني سبب هذا الفضل بقوله: “والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره” (فتح الباري 3/390).
في هذه الأيام المباركة، تحرص الإغاثة الإسلامية عبر العالم على إيصال الخير للمحتاجين في أكثر من أربعين دولة، لأن الصدقة في موسم الطاعة لها من الأجر ما يفوق الحساب. إن أردت أن تضاعف ثواب عملك في هذه الأيام، تبرع الآن وأسهم في إغاثة المحتاجين حول العالم.
روى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: “ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً في العشر قط”، وفي رواية أخرى: “لم يصم العشر”.
هذا الحديث الصحيح أوجد إشكالاً حقيقياً عند كثير من طلاب العلم؛ فكيف يصح الاستحباب إذا ثبت أن النبي لم يكن يصوم هذه الأيام؟ والجواب يتطلب فهماً دقيقاً لأصول علم الحديث وقواعد التعارض والترجيح بين الروايات.
لا. هذه الإجابة المختصرة تحتاج إلى تفصيل. العلماء لم يردوا حديث عائشة ولم يتجاهلوه، بل أعملوا فيه قواعد أصول الفقه وعلم الحديث للخروج بحكم سليم. وقد تعددت توجيهاتهم لهذا الحديث بطريقة تدل على عمق التراث العلمي الإسلامي.
في مقابل حديث عائشة، جاء حديث آخر من أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها عند أبي داود وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم “كان يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر” (رواه أبو داود رقم 2437، وصحح إسناده الألباني في صحيح سنن أبي داود).
وروى النسائي في سننه عن حفصة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كان لا يدع ثلاثاً: صيام العشر، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتين قبل الغداة”.
حسم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله هذا التعارض بقاعدة أصولية راسخة: المثبت مقدم على النافي. معنى ذلك أن حديث حفصة الذي يثبت الصيام يقدَّم على حديث عائشة الذي ينفي رؤيتها له صائماً.
قال ابن عثيمين رحمه الله: “إذا تعارض حديثان أحدهما يثبت والثاني ينفي، فالمثبت مقدم على النافي. ولهذا قال الإمام أحمد: حديث حفصة مثبت، وحديث عائشة نافٍ، والمثبت مقدم على النافي” (شرح الممتع 6/154).
اقرأ أيضًا: هل يجوز حلق الشعر في العشر الأوائل من ذي الحجة
لم يقتصر علماء الإسلام على قاعدة التقديم، بل ذهبوا إلى مسالك متعددة في الجمع بين الروايتين، كل منها يكشف زاوية مختلفة من زوايا الفقه الإسلامي.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يدور على زوجاته بالتساوي، وكانت عائشة معه يوماً وليلتين من كل تسعة أيام إذ وهبتها سودة رضي الله عنها يومها. فما رأته عائشة يمثل يومين في التسعة فقط. من المحتمل أنه صام في أيام كان عند غيرها، فلم تره صائماً وليس ذلك نفياً لفعله.
قال الإمام النووي رحمه الله: “لأنه صلى الله عليه وسلم كان يكون عندها في يوم من تسعة أيام، والباقي عند باقي أمهات المؤمنين، أو لعله صلى الله عليه وسلم كان يصوم بعضه في بعض الأوقات وكله في بعضها، ويتركه في بعضها لعارض سفر أو مرض أو غيرهما، وبهذا يجمع بين الأحاديث” (المجموع 6/441).
حديث ابن عباس الثابت في صحيح البخاري قولٌ صادر من النبي صلى الله عليه وسلم يتضمن الحث على العمل الصالح في هذه الأيام، والصيام من أفضل العمل الصالح. أما حديث عائشة فهو خبر عن فعل أو عدم فعل رآه شخص بعينه في ظروف خاصة. والقول النبوي العام حجة شاملة للأمة، أما الفعل فقد يعرض له خاص.
قال الشيخ الألباني رحمه الله: “القول الصادر من الرسول عليه السلام الموجه إلى الأمة هو شريعة عامة، أما الفعل الذي يفعله هو فيمكن أن يكون شريعة عامة حينما لا يوجد معارض له، ويمكن أن يكون أمراً خاصاً به”.
الحج كان في العشر من ذي الحجة، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا مرة واحدة في حجة الوداع بالعام العاشر من الهجرة وكان في سفر. والمسافر والمريض يباح لهما الفطر. فمن المحتمل أن عدم صيامه صلى الله عليه وسلم لهذه الأيام في السنوات التي رصدتها عائشة كان لأسباب طارئة لا تدل على ترك مستمر.
قال الإمام الشوكاني رحمه الله: “المراد أنه لم يصمها لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أن عدم رؤيتها له صائماً لا يستلزم العدم، على أنه قد ثبت من قوله ما يدل على مشروعية صومها” (نيل الأوطار 4/283).
من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يترك بعض الأعمال المحبوبة إليه خشية أن يفرضها الناس على أنفسهم. فقد ترك صلاة التراويح جماعة لهذا السبب كما رواه البخاري (1128) ومسلم (718). وكذلك قد يكون ترك صيام بعض أيام العشر في حضرة عائشة تخفيفاً وشفقة على الأمة، لا تركاً للعمل من أصله.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: “لاحتمال أن يكون ذلك لكونه كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته” (فتح الباري 2/460).
مع كل هذا التداول الروائي، خرج فقهاء الإسلام بحكم واضح. صيام الأيام التسع الأولى من ذي الحجة مستحب عند الأئمة الأربعة وهو قول الظاهرية أيضاً.
أجمع العلماء المعاصرون ومنهم الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله على استحباب صيامها، استناداً إلى عموم حديث ابن عباس الثابت في صحيح البخاري.
تنبيه مهم يغفل عنه كثيرون: الأيام التي يستحب صيامها هي التسع الأولى من ذي الحجة من أول الشهر حتى يوم عرفة، دون اليوم العاشر الذي هو يوم عيد الأضحى. فصيام يوم العيد محرم بالإجماع.
قال ابن قدامة رحمه الله في المغني: “ويستحب صيام عشر ذي الحجة — وهو تسعة أيام — إلى يوم عرفة”.
يوم عرفة هو التاسع من ذي الحجة، وهو أعظم أيام العشر على الإطلاق. صيام هذا اليوم وحده يكفر ذنوب سنتين كاملتين — ما قبله وما بعده — وهذا فضل لا نظير له في أيام السنة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن صيام يوم عرفة: “يكفر السنة الماضية والسنة الباقية” (رواه مسلم رقم 1162 عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه).
الصيام ركن مهم، لكنه ليس الوحيد في هذه الأيام. العمل الصالح يشمل طيفاً واسعاً من القربات التي يضاعف أجرها في هذا الموسم المبارك.
وفي هذا الموسم تحديداً، تتضاعف قيمة الصدقة على المستضعفين. الإغاثة الإسلامية عبر العالم توصل صدقاتكم إلى اللاجئين والمنكوبين والمرضى في أكثر من أربعين دولة. لا تفوت موسم الخير، تبرع الآن وأنت في أيام يتضاعف فيها الأجر.
سؤال عملي يكثر طرحه مع قدوم موسم الحج. وللحاج حالتان:
من عجز عن ثمن الهدي من المتمتع والقارن فيصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. وهذه الأيام الثلاثة يستحب أن تكون في السابع والثامن والتاسع من ذي الحجة.
من أدى الحج مفرداً ومعه هدي فلا يلزمه الصيام بدل الهدي. ويكره له صيام يوم عرفة لأنه يكون في يوم الوقوف حيث الدعاء والذكر أولى وأهم.
جمع العلماء نصوصاً متعددة تدل على فضل الصيام في هذه الأيام. هذا استعراض لأبرزها مع بيان درجة صحتها.
“ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام” — رواه البخاري (969) وأبو داود (2438) والترمذي (757). وهو أصح ما يستدل به على استحباب الصيام لأن الصيام من أفضل العمل الصالح.
“كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر” — رواه أبو داود (2437) وأحمد في مسنده (22135) بإسناد صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود.
“ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً في العشر قط” — رواه مسلم (2847)، وقد أوله العلماء على أنها لم تره صائماً لا أنه لم يصم قط، لاحتمال صيامه في أيام كان عند غيرها من أمهات المؤمنين.
“صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده” — رواه مسلم (1162)، وهو حديث صحيح محل اتفاق بين العلماء.
القضاء واجب، والصيام في العشر نافلة. والأصل أن تقدَّم الواجبات على المستحبات. غير أن العلماء أجازوا صيام أيام العشر بنية القضاء، وترجى إن شاء الله مضاعفة الأجر بسبب شرف الوقت. قال بعض العلماء: من صام قضاءه في هذه الأيام العشر تداخلت النيتان ويرجى له الأجر من كلا الوجهين، لأن المراد من الله تعالى هو الطاعة في هذا الوقت المبارك.
بعد استعراض الأدلة وأقوال العلماء، تنتهي مسألة هل كان الرسول يصوم العشر من ذي الحجة إلى النتائج التالية:
الخلاصة: الصيام مستحب استحباباً مؤكداً، وقد صامها النبي صلى الله عليه وسلم كما أثبتته أم المؤمنين حفصة، وإن لم تره عائشة لظروف مرتبطة بنظام التناوب بين أمهات المؤمنين أو لأعذار سفر أو مرض.
أيام العشر فرصة نادرة لاستثمار الطاعات المتعددة في آن واحد. الصيام يزكي النفس، والصدقة تطهر المال، والذكر يقرِّب من الله. وحين تجتمع هذه الطاعات في أيام يضاعف فيها الأجر، يكون المسلم في ذروة ما يمكنه الوصول إليه من التقرب إلى الله.
الإغاثة الإسلامية عبر العالم تتيح لك قناة مباشرة لإيصال صدقتك إلى من يحتاجها، سواء كانت كسوة للأيتام في سوريا، أو مياهاً نظيفة في اليمن، أو طعاماً للأسر الفقيرة في أفريقيا. كل درهم يصل إلى يد محتاج في يوم مبارك يعود عليك بأجر مضاعف.
اجعل أيامك في ذي الحجة خيراً للنفس وللآخرين. تبرع الآن مع الإغاثة الإسلامية وكن شريكاً في الخير في أعظم أيام السنة.
نعم، ثبت ذلك من حديث حفصة رضي الله عنها عند أبي داود بإسناد صحيح. أما حديث عائشة في النفي فيحمله العلماء على عدم رؤيتها له صائماً لا على أنه لم يصم قط. والإمام أحمد رجح حديث حفصة المثبت على حديث عائشة النافي.
صيام النافلة يجوز تبييت نيته من الليل، كما يجوز نيته في النهار قبل الزوال لمن لم يأكل شيئاً منذ الفجر. فمن أصبح ولم يأكل ثم قرر الصيام في الضحى فصيامه صحيح بنية قبل الزوال. وهذا قول جمهور العلماء.
يجوز صيام أيام العشر بنية القضاء، وترجى مضاعفة الأجر بسبب شرف هذه الأيام. غير أن الأولى لمن عليه قضاء أن يصوم هذه الأيام بنية القضاء لاستيفاء الواجب مع إدراك فضل الوقت.
نعم يصح ويستحب. يوم عرفة له فضل مستقل بنص حديث مسلم، وصيامه يكفر ذنوب سنتين. من يصوم يوم عرفة وحده قد أدرك خير هذه الأيام وإن لم يصمها كاملة.
صيام يوم عاشوراء — العاشر من محرم — يكفر السنة الماضية فقط وفق الحديث الصحيح. أما صيام يوم عرفة من العشر فيكفر سنتين: الماضية والقادمة. فلصيام يوم عرفة مضاعفة أكبر في التكفير، وإن كانت أيام عاشوراء لها فضلها المستقل.