في أحد مخيمات النزوح شرق السودان، تمتلك نسيبة رؤية واضحة لما تحتاجه النساء، ليس فقط من أجل البقاء على قيد الحياة، بل من أجل إعادة بناء حياتهن من جديد. وفي اليوم العالمي للمرأة، لا تبدو كلماتها مجرد شهادة على المعاناة، بل خارطة طريق نحو الأمل والتغيير.
حين تبدأ نسيبة الحديث، تفعل ذلك كما تفعل كثير من النساء السودانيات؛ تبدأ بـ “بسم الله” وتختم بالصلاة والسلام على النبي ﷺ. هكذا تبدأ الأحاديث المهمة في السودان، وهكذا تبدأ القصص التي تحمل في طياتها معاني عميقة. وما تقوله نسيبة بالفعل أمر يستحق أن يُسمع.
نسيبة أم لثلاثة أطفال، تعيش مع زوجها وأطفالها في مخيم للنازحين بمنطقة القلابات العربية في ولاية القضارف شرق السودان. وكحال أكثر من 12 مليون شخص في البلاد، اضطرت إلى الفرار من منزلها في الخرطوم عندما اندلع الصراع في أبريل 2023.
اتجهت شرقاً بحثاً عن الأمان، فكان ملجؤها الأول مدرسة في المدينة، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى المخيم الذي تعيش فيه اليوم.
تتذكر نسيبة قائلة:
“منذ وصولنا إلى هنا، كانت أول منظمة تواصلت معنا هي الإغاثة الإسلامية. قدموا لنا طروداً إغاثية واحتياجات خاصة بالنساء، وزارونا أكثر من مرة.”
تقول ذلك بامتنان واضح. فقد وصلت المساعدات الأساسية بالفعل: الغذاء، ومستلزمات النظافة، والمياه عبر خزان يعمل في المخيم. ولهذا تقول ببساطة: الحمد لله.
هذه الاحتياجات الأساسية تمثل طوق نجاة حقيقياً لمخيم يضم مئات العائلات. لكن نسيبة تدرك أن النساء في المخيم يفتقدن شيئاً آخر لا يقل أهمية، شيئاً لا يمكن قياسه بالأرقام.
مخيم مزدحم وحياة بلا أفق!
تصف نسيبة المخيم بأنه مزدحم وساكن، وكأن الزمن توقف فيه. لا مكان يذهب إليه الناس.
لا توجد مدرسة حقيقية، فقط برنامج تعليمي بسيط تديره منظمة محلية يعلّم الأطفال الحروف وبعض الحساب.
لا تلفاز، ولا كهرباء. وفي مجتمع يُتوقع فيه من النساء البقاء قريباً من المنزل، حيث قد يشكل التنقل بمفردهن داخل المخيم خطراً، تضيق حدود الحياة اليومية أكثر فأكثر. بالنسبة للنساء تحديداً، تمتد الأيام طويلة بلا برنامج واضح أو هدف.
تقول نسيبة: “نحن بحاجة إلى مركز لتنمية وتمكين النساء. مكان نجتمع فيه، نتبادل الأفكار ونتعلم من بعضنا. ففي النهاية، نحن من نربي الأجيال القادمة.”
ما تطلبه نسيبة ليس فكرة مجردة، بل شيء عملي جداً: مساحة آمنة تتعلم فيها النساء، ويتحدثن، ويدعمن بعضهن البعض، ويحافظن على شعورهن بذواتهن خارج إطار الأزمة. فهي تفكر في المستقبل، في الأطفال الذين يكبرون الآن داخل المخيم.
وتقول: “عندما تكون الأم متعلمة وواعية، تستطيع أن تربي أبناءها جيداً. تعرف حقوقها ومسؤولياتها، وتستطيع أن تنجح في حياتها، وتربي جيلاً قادراً على الاعتماد على نفسه في المستقبل. “
في قلب مخيم النزوح، حيث المياه الراكدة تجذب الحشرات في المساء، وحيث العيادة المتنقلة قد تغادر خلال أشهر، تفكر نسيبة في جيل النساء القادم في السودان. بل إنها تخطط بالفعل لما ستعلمه لأطفالها في المنزل، والكتب التي ستجلبها لهم، لو استطاعت شراءها، ولو وُجد ضوء يتيح لهم القراءة.
