تطبيق الإغاثة الإسلامية

تبرّع بسهولة من هاتفك

حمّل الآن

تطبيقنا الجديد متوفّر الآن!

تبرّع، احسب زكاتك، وتابع أثر عطائك — كل ذلك من هاتفك

  • تبرّع بلمسة واحدة بدون نماذج طويلة
  • سجّل الدخول بالبصمة أو التعرّف على الوجه
  • تابع سجلّ تبرّعاتك وأثرها مباشرة
  • حاسبة زكاة مدمجة وسهلة الاستخدام
Friday July 10, 2026

تيما: “كان هدفي الوحيد أن أبقى على قيد الحياة

عندما تتحدث تيما، البالغة من العمر 70 عاماً، لا تستعيد مجرد ذكريات من الماضي، بل تعود إلى أيام غيّرت حياتها إلى الأبد. فهي إحدى الناجيات من الإبادة الجماعية في سربرنيتسا ، وما زالت تحمل في قلبها آثار تلك المأساة بعد أكثر من ثلاثة عقود.

في عام 1992، تعرضت قريتها لهجوم عنيف، واضطرت إلى الفرار مع أطفالها الأربعة: نجاد، حورية، أميلا، وإينيلا. تقول  تيما: “كان علينا أن نهرب بعدما أضرموا النار في منزلنا. كانوا يقتلون كل من يقع في طريقهم. لم نعد إلى قريتنا أبداً، فكل من بقي هناك قُتل.”

تحولت رحلة الهروب إلى صراع يومي من أجل البقاء. كانت تيما تحمل الحقائب على كتفيها، وتجر ملابس أطفالها خلفها، بينما تحتضن أصغرهم بين ذراعيها. لم يكن هناك وقت للتفكير في المستقبل أو حتى في الغد. وتضيف تيما: كان هدفي الوحيد هو أن أبقى أنا وأطفالي على قيد الحياة.”

 

بعد رحلة شاقة استمرت ثلاثة أشهر عبر الثلوج والبرد القارس، وصلت العائلة إلى سربرنيتسا. كانت تيما منهكة تماماً بعد أن حملت أطفالها طوال تلك المدة. تقول: “كل ما كنت أتمناه هو أن أستلقي بجانب أطفالي لبعض الوقت. لم أعد أقوى على الوقوف.” لكن حتى الوصول لم يكن نهاية المعاناة. لم يجدوا منزلاً يؤويهم، واضطروا إلى بناء أكواخ بدائية من البلاستيك والكرتون داخل الغابات. وبعد فترة، ساعدتهم إحدى المنظمات السويدية بنقلهم إلى مساكن صغيرة أكثر أمناً وكرامة.

 

ومع اشتداد الحصار، بدأت المساعدات الإنسانية تصل بشكل محدود للغاية. تتذكر تيما تلك الأيام قائلة: كنا نتلقى كيلوغراماً واحداً من الطحين، وكان من المفترض أن يكفينا شهراً كاملاً، وهذا أمر مستحيل. في زمن الحرب، مجرد الحصول على المساعدة كان يعني فرصة للبقاء على قيد الحياة، أما من لم يحصل عليها فلم تكن لديه أي فرصة.” ثم تضيف بصوت يملؤه الرجاء: أتمنى ألا يعرف أحد ويلات الحرب مرة أخرى.”

 

لكن أقسى ما واجهته لم يكن الجوع أو النزوح، بل فقدان زوجها ومحاولة فقدان ابنها أيضاً. فخلال أحداث سربرنيتسا عام 1995، أُلقي القبض على زوجها علي وابنها نجاد على يد قوات جيش جمهورية صرب البوسنة. قُتل زوجها في منطقة كاسابا شرقي البوسنة، بينما نُقل نجاد إلى أحد مواقع الإعدام الجماعي مع الرجال الذين اعتُبروا في سن القتال.

تروي تيما تلك اللحظات المؤلمة: أُطلق الرصاص على نجاد أربع مرات، لكنه نجا بأعجوبة وتمكن من الوصول إلى توزلا. عندما رأيته كان في حالة صحية سيئة للغاية، حتى إنه لم يكن يستطيع الذهاب إلى الحمام بمفرده. كنت أعتني به في كل شيء.”

وبعد توقيع اتفاقية دايتون التي أنهت الحرب، بدأت عمليات البحث عن المفقودين والمقابر الجماعية. وهناك فقط عرفت تيما الحقيقة التي كانت تخشاها.

تقول: عندما بدأ الصليب الأحمر البحث عن المقابر الجماعية، عثروا على جثمان زوجي. عندها فقط تأكدت أنه قُتل خلال سقوط سربرنيتسا.”

ورغم كل ما مرت به، وجدت تيما بصيص أمل من خلال الدعم الذي تلقته من الإغاثة الإسلامية.

تقول: احتضنتني الإغاثة الإسلامية مع ابنتَيّ ضمن برنامج كفالة الأيتام. كما حصلت على قرض صغير ساعدني على تعليم أطفالي. لن أنسى هذا الدعم أبداً، فلم يكن بإمكاني الحصول على قرض من أي مكان آخر. أشكر كل من وقف إلى جانب ابنتَيّ ومنحنا فرصة لنبدأ من جديد.”

واليوم، تقسم تيما وقتها بين مدينتي توزلا و سربرنيتسا، حيث يعيش ابنها نجاد ويعمل هناك. إلا أن العودة إلى المدينة التي شهدت تلك المأساة ما زالت تثير في نفسها ألماً عميقاً.

تقول: لم يكن من السهل أن أعود إلى سربرنيتسا. لم أكن أرغب في العودة أبداً، لكن عندما حصل نجاد على عمل هناك لم يكن أمامنا خيار آخر، فقررت أن أكون إلى جانبه.”

ورغم أن الحياة اليوم أكثر هدوءاً، فإن آثار الحرب لا تزال ترافقها.

تخبرنا تيما: “الأمور آمنة الآن، لكن عندما يمر الإنسان بتجربة مرعبة، يبقى الخوف يسكن داخله. أتمنى لو أستطيع أن آخذ ابني بعيداً عن سربرنيتسا، لكن عمله هنا، ولذلك نبقى.”

وتختتم حديثها بابتسامة يغلب عليها الامتنان: الحمد لله، أطفالي بخير، وأنا أيضاً ما زلت بصحة جيدة، رغم أن السنوات تمضي سريعاً.”

قصة تيما ليست مجرد شهادة على واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ الحديث، بل تذكير بأن خلف كل رقم في الحروب إنساناً يحمل اسماً، وعائلة، وذكريات، وأملاً لم ينكسر رغم كل ما فقده.

حسن وابنته أديلينا يعيدان بناء الحياة

نجوت من مسيرة الموت… واستطعت أن أبدأ من جديد

اسمي حسن، أبلغ من العمر 65 عامًا.” بهذه الكلمات يبدأ حسن حكايته، وهو يجلس في قريته الجبلية الهادئة في فلاسينيكا، شرق البوسنة والهرسك، حيث وُلد وترعرع قبل أن تغيّر الحرب كل شيء.

يتذكر حسن طفولته قائلاً: كانت الحياة جميلة. ذهبت إلى المدرسة، ثم عملت في أحد المناجم.”

وفي ثمانينيات القرن الماضي، أدى خدمته العسكرية في الجيش اليوغوسلافي لمدة 16 شهراً، دون أن يتخيل أن تلك البلاد ستغرق بعد سنوات قليلة في حرب مدمرة.

” يخبرنا حسن: “كان الناس يتحدثون عن احتمال اندلاع حرب، لكنني لم أصدق ذلك أبداً.” لكن في عام 1992، وصلت الحرب إلى قريتنا، وانهار كل ما عرفته في لحظات. كنت أعيش مع والدي وزوجته وإخوتي الصغار. فجأة هاجمنا جيراننا. شعرت وكأنني أرنب تائه في الغابة، لا أملك أي وسيلة لحماية عائلتي. أُحرقت منازلنا ودُمّر كل شيء.”

هرب حسن مع أسرته عبر الغابات، مثل آلاف العائلات التي كانت تبحث عن مكان آمن واصفًا الرحلة: “سرنا مع عائلات أخرى حتى وصلنا إلى تشيرسكا، حيث انضممت إلى قوات الدفاع المحلية. صمدنا هناك نحو عام، لكن عندما سقطت البلدة اضطررت للفرار مرة أخرى، وهذه المرة إلى سربرنيتسا.”

وكانت الأمم المتحدة قد أعلنت سربرنيتسا “منطقة آمنة”، فتدفق إليها آلاف المدنيين الفارين من القرى والبلدات المجاورة.

ورغم أهوال الحرب، منحت الحياة حسن لحظات قصيرة من الفرح.

يضيف حسن: “تزوجت هناك، وفي الأول من يوليو/تموز 1995 وُلدت ابنتي الكبرى. كان عمرها ستة أيام فقط عندما بدأ قصف سربرنيتسا.”

الهروب عبر الغابات… ومسيرة الموت

مع سقوط المدينة، انضم حسن إلى نحو 15 ألف رجل وفتى بوسني حاولوا الفرار عبر الغابات للوصول إلى مدينة توزلا، التي كانت تبعد أكثر من 100 كيلومتر.

كانت الرحلة تمر عبر الجبال والأنهار وحقول الألغام، بينما كانت القوات الصربية تطاردهم بلا هوادة. قُتل معظم الرجال خلال الطريق، بينما ظل آخرون عالقين في الغابات لأشهر.

يقول حسن: كنت أعرف المنطقة جيداً، وهذا ما أنقذ حياتي. كما ساعدت نحو عشرين شخصاً كانوا يسيرون معي. لم يكن معنا سوى بعض بنادق الصيد، التي كانت تمنحنا شعوراً بسيطاً بالأمان، ذكريات تلك الأيام ما تزال مبعثرة في ذاكرته بفعل الصدمة. استمرت رحلتنا ثلاث أو أربع ليالٍ، قطعنا خلالها أكثر من مئة كيلومتر. كانت المدفعية تستهدفنا باستمرار، والقذائف كانت تمزق أجساد الناس أمام أعيننا. أتذكر رجلاً أصيب بهلوسة وبدأ يطلق النار بشكل عشوائي. لم نكن نعرف ماذا يحدث حولنا.”

النجاة من المستحيل

بفضل معرفته الدقيقة بالطرق الجبلية، كان حسن ضمن نحو 3500 شخص فقط تمكنوا من الوصول إلى توزلا أحياء، من أصل آلاف الرجال الذين انطلقوا في تلك الرحلة التي عُرفت لاحقاً باسم مسيرة الموت.

هناك، التقى بزوجته وطفلته من جديد، وبعد سنوات رُزق بابنته الثانية، أديلينا، لكن النجاة لم تعنِ نهاية المعاناة

يضيف حسن قائلًا: “الصدمة لا تغادر الإنسان. كأنك تتذكر مشاهد متفرقة من فيلم، بينما تختفي بقية الأحداث من ذاكرتك. حتى اليوم أتحدث أثناء النوم، وأحياناً أشعر وكأن أحداً يطاردني. الحرب تركت آثارها داخلي، لكنني استطعت، بطريقة ما، أن أجد نفسي من جديد.”

جيل وُلد بعد الحرب، لكنه يحمل آثارها!

أديلينا، البالغة من العمر 28 عاماً، لم تعش الحرب بنفسها، لكنها كبرت وهي ترى آثارها في والدها وفي المجتمع من حولها.

تقول: الحرب تركت جروحاً عميقة لدى كثير من الناس، ووالدي واحد منهم. ما زال يحمل صدماتها حتى اليوم، وبعد انتهاء الحرب، عشنا لسنوات طويلة نازحين قبل أن تعود إلى فلاسينيكا عام 2004. لم يكن لدينا منزل، فبنينا بيتاً صغيراً من الخشب. وبعد عام حصلنا على منحة ساعدتنا على بناء المنزل الذي نعيش فيه اليوم.”

العودة لم تكن سهلة.

تخبرنا اديلينا: “في البداية كان الناس ينظرون إلينا بغرابة لأننا مسلمون. حتى اسمي لم أكن أحبه عندما كنت صغيرة، لكنني اليوم أراه جميلاً جداً. في المدرسة تعرضت للتنمر بسبب هويتي وديني، لكن الأمور تحسنت مع مرور الوقت.”

فرصة جديدة بدعم من الإغاثة الإسلامية

بعد وفاة والدة اديلينا عام 2022، أصبحت تعيش مع والدها، بينما تقيم شقيقتها في سويسرا مع أسرتها. تقول: كانت أختي ترسل لنا المال أحياناً، لكن الحياة كانت صعبة.”

كانت تحلم منذ طفولتها بأن تصبح جندية أو شرطية، لكنها لم تنجح في اختبارات القبول.

وتبتسم وهي تقول: الحياة مليئة بالمفاجآت. لم أصبح جندية كما حلمت، لكنني أصبحت سيدة أعمال.”

بدأت رحلتها الجديدة عندما انضمت إلى أحد مشاريع الإغاثة الإسلامية الهادفة إلى دعم الناجين والعائدين بعد الحرب في البوسنة. فتلقت اديلينا تدريباً على تربية المواشي، والإنتاج الزراعي، وتسويق المنتجات، كما حصلت على طيور السمان لتبدأ مشروعها الصغير.

فتخبرنا: “اليوم أربي طيور السمان وأبيع بيضها في السوق. كما نزرع الخضروات، ولدينا أغنام نبيع حملانها لتأمين دخل للأسرة.”

الأمل ينمو، حتى بعد الحرب

لم يقتصر أثر المشروع على تحسين دخل الأسرة فحسب، بل غيّر حياة أديلينا على المستوى الشخصي أيضاً.

تقول: كنت خجولة جداً، لكن المشروع ساعدني على التعرف إلى أشخاص كثيرين، وأصبحت أكثر ثقة في التواصل مع الآخرين.”

ثم تنظر إلى طيور السمان الصغيرة وتبتسم قائلة: إنها صغيرة ولطيفة! ما زلت في بداية الطريق، وكل بداية تكون صعبة، لكنني متفائلة.”

قصة حسن وأديلينا تذكّرنا بأن آثار الحروب لا تنتهي بوقف إطلاق النار، بل تستمر في ذاكرة الناجين لسنوات طويلة. ومع ذلك، فإن فرصة واحدة، ودعماً صادقاً، قد يكونان كفيلين بمنح أسرة أنهكتها الحرب بداية جديدة، وأملاً يستحق أن يُعاش.

 

جميع الحقوق محفوظة لمنظمة الإغاثة الإسلامية عبر العالم 2026 ©
الإغاثة الإسلامية عبر العالم منظمة خيرية دولية غير حكومية مسجلة فى المملكة المتحدة برقم: 328158