تيما: “كان هدفي الوحيد أن أبقى على قيد الحياة“
عندما تتحدث تيما، البالغة من العمر 70 عاماً، لا تستعيد مجرد ذكريات من الماضي، بل تعود إلى أيام غيّرت حياتها إلى الأبد. فهي إحدى الناجيات من الإبادة الجماعية في سربرنيتسا ، وما زالت تحمل في قلبها آثار تلك المأساة بعد أكثر من ثلاثة عقود.
في عام 1992، تعرضت قريتها لهجوم عنيف، واضطرت إلى الفرار مع أطفالها الأربعة: نجاد، حورية، أميلا، وإينيلا. تقول تيما: “كان علينا أن نهرب بعدما أضرموا النار في منزلنا. كانوا يقتلون كل من يقع في طريقهم. لم نعد إلى قريتنا أبداً، فكل من بقي هناك قُتل.”
تحولت رحلة الهروب إلى صراع يومي من أجل البقاء. كانت تيما تحمل الحقائب على كتفيها، وتجر ملابس أطفالها خلفها، بينما تحتضن أصغرهم بين ذراعيها. لم يكن هناك وقت للتفكير في المستقبل أو حتى في الغد. وتضيف تيما: “ كان هدفي الوحيد هو أن أبقى أنا وأطفالي على قيد الحياة.”
بعد رحلة شاقة استمرت ثلاثة أشهر عبر الثلوج والبرد القارس، وصلت العائلة إلى سربرنيتسا. كانت تيما منهكة تماماً بعد أن حملت أطفالها طوال تلك المدة. تقول: “كل ما كنت أتمناه هو أن أستلقي بجانب أطفالي لبعض الوقت. لم أعد أقوى على الوقوف.” لكن حتى الوصول لم يكن نهاية المعاناة. لم يجدوا منزلاً يؤويهم، واضطروا إلى بناء أكواخ بدائية من البلاستيك والكرتون داخل الغابات. وبعد فترة، ساعدتهم إحدى المنظمات السويدية بنقلهم إلى مساكن صغيرة أكثر أمناً وكرامة.
ومع اشتداد الحصار، بدأت المساعدات الإنسانية تصل بشكل محدود للغاية. تتذكر تيما تلك الأيام قائلة: “كنا نتلقى كيلوغراماً واحداً من الطحين، وكان من المفترض أن يكفينا شهراً كاملاً، وهذا أمر مستحيل. في زمن الحرب، مجرد الحصول على المساعدة كان يعني فرصة للبقاء على قيد الحياة، أما من لم يحصل عليها فلم تكن لديه أي فرصة.” ثم تضيف بصوت يملؤه الرجاء: “أتمنى ألا يعرف أحد ويلات الحرب مرة أخرى.”
لكن أقسى ما واجهته لم يكن الجوع أو النزوح، بل فقدان زوجها ومحاولة فقدان ابنها أيضاً. فخلال أحداث سربرنيتسا عام 1995، أُلقي القبض على زوجها علي وابنها نجاد على يد قوات جيش جمهورية صرب البوسنة. قُتل زوجها في منطقة كاسابا شرقي البوسنة، بينما نُقل نجاد إلى أحد مواقع الإعدام الجماعي مع الرجال الذين اعتُبروا في سن القتال.
تروي تيما تلك اللحظات المؤلمة: “أُطلق الرصاص على نجاد أربع مرات، لكنه نجا بأعجوبة وتمكن من الوصول إلى توزلا. عندما رأيته كان في حالة صحية سيئة للغاية، حتى إنه لم يكن يستطيع الذهاب إلى الحمام بمفرده. كنت أعتني به في كل شيء.”
وبعد توقيع اتفاقية دايتون التي أنهت الحرب، بدأت عمليات البحث عن المفقودين والمقابر الجماعية. وهناك فقط عرفت تيما الحقيقة التي كانت تخشاها.
تقول: “عندما بدأ الصليب الأحمر البحث عن المقابر الجماعية، عثروا على جثمان زوجي. عندها فقط تأكدت أنه قُتل خلال سقوط سربرنيتسا.”


