في التاسع من ذي الحجة من كل عام، يتحول صعيد عرفات إلى واحدة من أعظم المشاهد في تاريخ البشرية. ملايين الحجاج يقفون في مكان واحد، في يوم واحد، يدعون رباً واحداً بلغات شتى وقلوب متضرعة. هذا هو المشهد الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله يباهي به الملائكة ويسألهم: ما أراد هؤلاء؟
لكن السؤال الذي يشغل كثيراً من المسلمين يبقى قائماً: هل ادعية وقفة عرفات مستجابة حقاً؟ وهل فضل هذا اليوم يخص الحجاج دون سواهم؟ وما الأدعية التي ينبغي قراءتها؟ هذا المقال يجيب على هذه الأسئلة بالأدلة الشرعية الصريحة.
تبرع الاضاحي مع الإغاثة الإسلامية
وقفة عرفات هي الركن الأعظم في فريضة الحج، وتقع في التاسع من ذي الحجة. يتوجه فيها الحجاج إلى سهل عرفات الممتد على بعد نحو 22 كيلومتراً شرق المسجد الحرام، ويبقون فيه من زوال الشمس حتى غروبها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الحج عرفة” رواه أبو داود والترمذي والنسائي وصحح إسناده الألباني، فمن فاتته هذه الوقفة فقد فاته الحج كله.
وعرفات جمع عرفة، وقد اختلف العلماء في سبب هذه التسمية على أقوال، أبرزها:
وما يجمع هذه الأقوال هو أن هذا المكان والزمان مرتبطان تاريخياً بالإقرار لله والتضرع إليه. ولعل هذا ما جعله المحل الأعظم لاستجابة الدعاء.
الجواب بنعم، وهو ما دلت عليه النصوص الشرعية وأجمع عليه العلماء. روى الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
“خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”
رواه الترمذي وحسّنه الألباني
ومن أقوال أهل العلم في هذا الشأن:
انقسم العلماء في هذه المسألة على قولين:
ومن هنا يتضح أن كل مسلم على وجه الأرض يملك فرصة حقيقية في التاسع من ذي الحجة، سواء كان في مكة أو في أبعد بقاع الأرض.
يوم عرفة ليس يوماً للحجاج وحدهم، إنه يوم ذو مكانة خاصة في الإسلام تميزه عن سائر أيام السنة بفضائل لا تجتمع في يوم سواه.
نزل في يوم عرفة قوله تعالى: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا” (المائدة: 3). روى البخاري ومسلم أن عمر رضي الله عنه بيّن أن هذه الآية الكريمة نزلت عشية عرفة في يوم جمعة. وقد قال له يهودي: لو أن هذه الآية نزلت فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. فقال عمر: قد اجتمع في هذا اليوم عيدان: يوم الجمعة ويوم عرفة.
أقسم الله سبحانه في قوله: “وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ. وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ. وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ” (البروج: 1-3). وقد فسّر النبي صلى الله عليه وسلم “المشهود” بأنه يوم عرفة، رواه الترمذي. والقسم الإلهي بيوم دليل قاطع على منزلته العظيمة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: “صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده” رواه مسلم. وهذا الفضل لغير الحاج خاصة، أما الحاج فالسنة ألا يصوم هذا اليوم لكي يتقوى على الدعاء والذكر في الموقف الشريف.
روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟” رواه مسلم. هذا الحديث وحده كافٍ لأن يجعل كل مسلم يتوقف عند هذا اليوم بجدية تامة.
اقرأ أيضًا: أحكام يوم عرفة: الدليل الكامل للصيام والدعاء
ادعية وقفة عرفات الواردة في السنة النبوية تنقسم إلى قسمين: ما هو مأثور بنصه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما أجازه العلماء من الأدعية العامة. والأولى البدء بالمأثور ثم التوسع في الدعاء بما يناسب حاجة كل مسلم.
أفضل ما يتردد على لسان المسلم طوال هذا اليوم هو قول:
“لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”
وهذا ليس دعاء بالمعنى الضيق (الطلب) بل هو توحيد وثناء، وهو بحد ذاته من أعظم العبادات. وقد نص العلماء على أنه يُكثر منه في هذا اليوم تحديداً توطئة لما يليه من طلب وتضرع.
روى الترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كان أكثر ما يدعو به رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة في الموقف:
“اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كَالَّذِي نَقُولُ وَخَيْرًا مِمَّا نَقُولُ، اللَّهُمَّ لَكَ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي وَإِلَيْكَ مَآبِي وَلَكَ رَبِّ تُرَاثِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَوَسْوَسَةِ الصَّدْرِ وَشَتَاتِ الْأَمْرِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَجِيءُ بِهِ الرِّيَاحُ”
من أكثر الأدعية التي ذكرها الفقهاء في يوم عرفة، ودل عليها القرآن والسنة:
“رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ”
وقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر من هذا الدعاء رواه البخاري ومسلم.
ذكر العلماء في كتبهم جملة من الأدعية الجامعة التي يستحب قولها، ومنها:
أحد أكبر الأخطاء الشائعة هو الاعتقاد بأن التاسع من ذي الحجة يخص الحجاج وحدهم وأن من لم يذهب إلى مكة ليس له نصيب من فضله. هذا تصور خاطئ تصحّحه النصوص الشرعية الصريحة.
يستحب لمن لم يتيسر له الحج أن يجتهد في التاسع من ذي الحجة بما يلي:
رأى جمهور العلماء أن أفضل وقت لدعاء من لم يكن على أرض عرفات هو الفترة الممتدة من زوال الشمس حتى الغروب، وهي نفس المدة التي يقف فيها الحجاج. غير أن من رأى أن الفضل عام لليوم كله فالدعاء جائز ومستحب في كل ساعاته.
الدعاء له آداب تزيد من احتمال قبوله واستجابته. والمسلم الذي يجمع بين شرف الزمان وحسن الأداء يكون أقرب إلى الإجابة. وأبرز هذه الآداب:
حذّر الفقهاء من جملة من الأمور التي قد تعيق استجابة الدعاء حتى في أفضل الأوقات:
يختلف كثيرون بين الدعاء والذكر، وهما في حقيقتهما متكاملان. فالذكر هو تمجيد الله وتسبيحه وتهليله، والدعاء هو طلب الحاجة منه. والأفضل في هذا اليوم الجمع بينهما.
ورد الحث على الإكثار من هذه الأذكار في أيام العشر عموماً وفي يوم عرفة خصوصاً:
من أجمع الأدعية في باب الاستغفار ما ثبت في صحيح البخاري وهو سيد الاستغفار:
“اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ”
قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من قاله موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل موقناً بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة” رواه البخاري.
ثمة ارتباط وثيق في الإسلام بين العمل الصالح والدعاء المقبول. والصدقة تحديداً من أعظم ما يُقدّمه المرء بين يدي دعائه. يقول ابن القيم في زاد المعاد إن من أسباب استجابة الدعاء تقديم الخير بين يديه، كالصدقة والاستغفار وتطييب القلوب.
وأيام العشر من ذي الحجة أيام تتضاعف فيها الأعمال الصالحة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه العشر” فقالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: “ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء” رواه البخاري.
فإذا تصدق المسلم في هذه الأيام ثم رفع يديه داعياً ربه، فقد جمع بين فضل الزمان وفضل العمل، وكان الدعاء أقرب إلى الإجابة.
من أجمع ما يجمع المسلم فيه بين الأجر الدائم والعطاء المستمر هو الصدقة الجارية. فالصدقة الجارية تظل تجري للمتصدق بعد مماته ما دام أثرها قائماً. وهي من أفضل الأعمال في أيام العشر.
تعمل الإغاثة الإسلامية عبر العالم على توصيل مشاريع الصدقات الجارية في أكثر من 40 دولة حول العالم، من حفر الآبار وسقيا الماء، إلى كفالة الأيتام، إلى مشاريع التعليم والصحة في أكثر المناطق حرماناً. تبرع بصدقة جارية الآن واجعل عملك في هذا اليوم المبارك مرفقاً بدعاء مستجاب.